السيد حسن الحسيني الشيرازي

17

موسوعة الكلمة

منهما امتيازه الخاصّ ، فالقرآن كتاب يعلو من كلّ جهة ، ولا يعلى عليه من أيّ جهة ، وكلمة اللّه هذه كتاب تظهر فيه الحقائق صريحة واضحة ، ويظهر فيه الواقع مجرّدا صارخا ، حيث تنساب المعاني الكبيرة خلف بعضها - أمام البصائر الواعية - بكيانها المستقل ، فينحدر هدي اللّه من وراء المجهول إلى العقول المتفتحة ، ليملأها بالحقّ والخير ، وينتشلها من دنيا الناس هذه إلى المحلّ الأرفع . فهي كلمة اللّه ، وكلمة اللّه هي العليا ، وهل ترقى إلى كلمة اللّه كلمة في الأرض أو في السماء ، لو استثنينا القرآن ، ذلك الكتاب لا ريب فيه ، من ربّ العالمين ، فهو بحقّ أرقى ما جرى به على الطّرس يراع . وأمّا المصدر والمصبّ لهما - إن صحّ التعبير - فواحد ، وهو اللّه القدير المتعال ، لأنّ كلمات اللّه لا تنتهي إلا إليه ، وكل واحد منهما بحر محيط يسع كلّ شيء ، وليس لأيّ شيء أن يسع من أيّهما إلا بمقدار . والتطابق بين حقائق الحياة ، ومعارف هذه الآيات ، مفروض سلفا ، فإن منظّم الحياة هو هو منزّل الآيات ، ولا يمكن أن تختلف حقائق الحياة ومعارف الآيات ، كما لا يمكن أن يختلف عمل الحكيم وقوله . فالذي خلق الحياة مغلقة بأسرار كثيفة ، أبى أن يجعلها لغزا معضلا لمن يمرّ بها ، فجعل آياته مفاتيح الأغلاق . وإن كان اللّه قد خلق هذا العالم الكبير ، وأسكن أبناء آدم جانبا منه ، ومنحهم الأبصار المشتاقة إلى تعرّف ما حولهم ، فإنه لم يتركهم حيارى ، يتخبّطون في بيدائه بلا دليل ، كلا . . . إنّ معهم الدليل الحادي على الهدى ، الخبير بالمتشابه من الدّروب ، الذي لا يضلّ ولا يزيغ ، إنّ معهم هداية اللّه ، التي صحبت الركب الإنساني من بداية الطريق ، ثم تدرّجت في أطوار شتى مع التاريخ السائر الدؤوب .